|
|
|
|
المسيري .. الإنسان الأمين ـ د.عبد الفتاح ماضي
|
| د.عبد الفتاح ماضي : بتاريخ 4 - 7 - 2008 |
مؤلمة وموجعة مشاعر الفراق.. وعصيةٌ وقاسية كلمات الرثاء.. ولا يملك الإنسان إلا أن يُقر بأنّ الموت حق.. ولا يبقى من الإنسان إلا عمله الصالح .. رحل العالم والمفكر والأديب والناشط السياسي عبدالوهاب المسيري وترك لنا أعماله الصالحة.. رحل أستاذ الجامعة الذي جمع بين التأليف والتنظير، والأدب والعلم، والفكر والعمل السياسي.. وبرحيله طويت صفحة مشرقة وغنية بالعطاء والعمل لأحد أبرز المفكرين العرب المعاصرين.. المجدد صاحب المصطلحات الغزيرة الدقيقية.. والمفاهيم المُفسرة الكاشفة.. والمعلم لجيل كامل من الباحثين والكتاب والأساتذة.. كلمة واحدة تلخص حياة العالم عبدالوهاب المسيري، هي "الأمـانـة" .. فالمسيري هو الإنسان الأمين في زمن ضيّع فيه الناس الأمانة مع بعضهم البعض ومع خالقهم، فضلوا الطريق وأضلوا أنفسهم والآخرين.. المسيري.. الإنسان الأمين.. هو المُحارب ضد الصهيونية بالقلم والعلم .. الإنسان الذي أدرك أنّ من الأمانة عدم التوقف عند تخصصه الأول، الأدب الانجليزي، فانتقل منه لدراسة اليهودية والصهيونية.. كاشفاً عن أصول اليهودية وفرقها ومذاهبها.. وموضحاً خفايا الحركة الصهيونية بأساطيرها وأشكالها وإشكالياتها.. ومبيناً عنصرية الكيان الإسرائيلي وعلامات زواله.. وداعياً لرفض التطبيع ودعم المقاومة الفلسطينية المسلحة.. ومنادياً بالتأثير في الخريطة الإدراكية للشعوب الغربية عن طريق تطوير إعلام قوي يكشف زيف الدولة الصهيونية ويفضح عنصريتها وطبيعتها الاستعمارية.. المسيري.. الإنسان الأمين.. هو المدافع عن وطنه وإسلاميته وهُويته بلا تعصب أو هوى.. بدأ مادياً ملحداً، ثم عندما أدرك قصور المرجعيات المادية وزيف أسسها الفكرية لم ينبذ المادية والإلحاد فقط، وإنما دفعته أمانته لأن يتخذ لنفسه مرجعيةً إسلاميةً رآها القادرة على تفسير ما يدور في العالم المعاصر.. وراح يبحث بدقة ويكتب بعمق في العَلمانية وأشكالها موضحاً التناقضات التي تحيط بها عند المفكرين والباحثين العرب.. وكاشفاً مخاطر ما كان يُسميه "العَلمانية الشاملة" على ثقافتنا وهُويتنا وتقاليدنا.. ومطالباً بالتصدي لها بكافة السبل الممكنة وبعدم قبول الأفكار القادمة من الغرب بدون إخضاعها للتدقيق والتمحيص والبحث وبهدف إعادة البناء حسب رؤية إسلامية.. وهذا ما أسماه "الإنسانية الإسلامية" أو "الخطاب الإنساني ذا المرجعية الإسلامية".. هو الإنسان الأمين الذي آمن بالإسلام مرجعيةً عليا في عالم تتحكم فيه قيم المادة والإستهلاك.. آمن بفهمٍ معتدلٍ وواعٍ للإسلام يتناسب مع العصر.. وانتقد التفسير الحرفي للقرآن.. وأوضح الأخطاء المنهجية في تفسير النصوص المقدسة.. وحدد معالم الخطاب الإسلامي المعاصر.. وانتهى منظراً لحزب الوسط.. بل ومناضلاً من أجل حصول الحزب على الترخيص القانوني.. المسيري .. الإنسان الأمين.. هو الناشط السياسي والمناضل الإصلاحي.. فأمانته حتمت عليه الإستجابة إلى نداء الوطن من أجل مزيد من "الكفاح" ضد "من يريدون العودة بمصر للوراء" كما قال رحمه الله.. أضاف إلى عمله البحثي والفكري ممارسةً سياسيةً لايؤمن الكثير من المثقفين وأساتذة الجامعات اليوم بجدواها ولا يقوم بها إلا القليل.. قاد، بتفاؤل صلب وعزيمة قوية، حركة كفاية محتجاً على ما آلت إليه الأمور في مصر.. ونادى بإصلاح سياسي حقيقي وبالكف عن العبث بالبلاد .. آمن بأن لا سِنه ولا مرضه يحول دون واجب المشاركة في إنقاذ البلاد والعباد.. واقتدى في ذلك بقيادة سعد زغلول لثورة 1919 ضد الإنجليز.. ونال المسيري ما يناله الشرفاء في كل زمان ومكان من منع لمحاضراته وندواته وما أسماه هو "متاعب أمنية".. حتى وصل الأمر إلى الإعتداء عليه واحتجازه وزوجته لعدة ساعات ثم تركهما بالصحراء بعد مشاركتهما في تظاهرة في القاهرة احتجاجا على الغلاء والبطالة والفقر! رحل عبدالوهاب المسيري بجسده.. ولكنه، بإذن الله، سيبقى معنا.. سيبقى معنا لأنه ترك لنا منهجاً فكرياً عربياً يعتمد على عدم الإستكانة إلى المعتاد من الأفكار.. أو التهرب من مقاربة مختلف الإشكاليات التي تقف أمام العقل العربي والمسلم.. سيبقى معنا لأنه ترك لنا مدرسة فكرية عربية ذات معين فريد، مليء بالمفاهيم والأدوات التحليلية والتفكيكية والمصطلحات والنماذج التفسيرية.. سيبقى معنا لأنه ترك لنا خرائط نهتدي بها مجالات شتى.. في التعامل مع إسرائيل وعلاقتها بالغرب.. وفي فهم العلمانية وتناقضاتها.. وفي معالجة إشكالية الموضوعية والذاتية.. وفي كشف إشكالية التحيز في العلوم الاجتماعية.. وفي فهم الحداثة الغربية.. وفي تطوير رؤية إسلامية معاصرة في كافة المجالات.. وفي الوقوف على مخاطر التفسير الحرفي للقرآن.. وفي إدراك معالم الخطاب الإسلامي المعاصر.. وفي دراسة اللغة والمجاز.. بجانب ما تركه لنا من إنتاج علمي في الأدب الإنجليزي والأمريكي وفي النظرية النقدية وفي قصص الأطفال وفي النقد الأدبي وشعر المقاومة وغير ذلك.. رحم الله عبدالوهاب المسيري رحمةً واسعة، وأنزله منازل الشهداء، وعوَّض الأمة فيه خيرا. ------ قسم العلوم السياسية – جامعة الإسكندرية abdelfattah.mady@gmail.com
|
|
|
|
|
|
|