|
|
|
|
لماذا نختلف مع السياسة الأمريكية؟ ـ د.عبدالفتاح ماضي
|
| د.عبدالفتاح ماضي : بتاريخ 27 - 1 - 2008 |
تتعجب دوائر كثيرة – رسمية وغير رسمية - داخل الولايات المتحدة من الرفض الشعبي العربي لكل الزيارات التي يقوم بها مسؤولون أمريكيون ولكل المبادرات الأمريكية في المنطقة، وترى أن بعض الأنظمة العربية أكثر "اعتدالا" و"ليبرالية" من شعوبها. ومن ثم تدعو إلى إعادة تنشئة هذه الشعوب لتتقبل ما يقبله بعض حكامها ومثقفييها من خلال حملات علاقات عامة وتدخل في مناهج التعليم ووسائل الإعلام وغيرها. في هذه المقالة أود أن أنقل لبوش ومساعديه من السياسيين والإعلاميين – بمناسبة زيارته لمصر – بعضا من مصادر الإختلاف مع السياسات الأمريكية. والتي لا علاقة لها - كما ادّعى بوش من أبوظبي – بمعاداة قيم الحرية والديمقراطية التي تدّعي الإدارة الأمريكية الحالية احتكارها لها: المصدر الأول: الصراع الصهيوني العربي هو صلب الإختلاف: وصلب هذا الصراع هو مسألة الإحتلال (أطول إحتلال في العالم المعاصر) وقضية اللاجئين الفلسطينيين، أي احتلال أراضي الغير في فلسطين ولبنان وسوريا وطرد السكان الأصليين وبناء المستعمرات على أنقاض قراهم ومدنهم العربية. إنها ليست قضية "أراضٍ متنازع عليها" كما بدأت إدارة كلنتون في وصف الصراع إبان مرحلة أوسلو. ودولة الإحتلال هذه هي: (1) الدولة الوحيدة في العالم التي بها قوانين عنصرية ضد كل ما هو غير يهودي (يكفي هنا قراءة قوانين العودة والجنسية.. )، وهي التي تمارس سياسات عنصرية ضد نحو خمس سكانها من المسلمين والمسيحيين (تكفي العودة هنا إلى تقارير المنظمات الحقوقية الإسرائيلية – وليس العربية – مثل منظمة بيتساليم ..)، (2) وهي الدولة التي قننت أمورا عدة تنتهك اتفاقية جنيف وكل المواثيق الحقوقية الأخرى مثل: التعذيب، واستهداف المدنيين العزل، وهدم المنازل، واستخدام المدنيين كسواتر مدنية، وقصف المستشفيات وعربات الإسعاف، وبناء طرق إلتفافية لليهود فقط، وإنشاء جدارعازل، وحصار أكثر من مليون إنسان في غزة وحرمانهم ليس من حق تقرير المصير وإنما من الكهرباء والمياه والغاز والعلاج .. (3) وهي الدولة التي تخترق ليس فقط المواثيق والقرارات الدولية وإنما أيضاً القوانين الأمريكية ذاتها. وهنا أحيل بوش وإدارته إلى التقارير التي يصدرها مركز أبحاث تابع للكونغرس الأمريكي والتي تظهر أن إسرائيل تخترق "قانون المساعدة الخارجية لعام 1961 (Foreign Assistance ACT)" و"قانون تصدير السلاح لعام 1976 (Arms Export Control Act)" الذين يُقران أن السلاح الأمريكي الذي تحصل عليه الدول الأجنبية لا يمكن أن يُستخدم إلا للأمن الداخلي المشروع والدفاع عن النفس، ولا يمكن إعادة تصديره لطرف ثالث. إسرائيل تخترق القانونين لأنها تستخدم السلاح الأمريكي ضد المدنيين القابعين تحت الإحتلال من جهة، ولأنها صدّرت تكنولوجيا السلاح الامريكي في السابق لأطراف أخرى مثل الصين وجنوب أفريقيا إبان نظام الفصل العنصري وتشيلي وإثيوبيا ودول أخرى تنتهك حقوق الإنسان من جهة أخرى .. المصدر الثاني: أن الولايات المتحدة هي أكبر حليف وداعم لدولة الإحتلال والعنصرية تلك، ومن ثم فهي شريكة لها في الإحتلال وفي سياساتها العنصرية. ويكفي هناك تذكير بوش وإدارته بـ: (1) أن بلاده استخدمت منذ عام 1974 حق الفيتو أكثر من 40 مرة لحماية إسرائيل من الإدانة في مجلس الأمن في أعقاب اعتداءاتها المتكررة ضد العرب، (2) أن رئيسا أمريكيا سابقا – هو جيمي كارتر – كتب في نيويورك تايمز في 21 أبريل 2002 أن المساعدات الأمريكية لإسرائيل تقدر بنحو 10 مليون دولار يومياً، و(3) أن الاقتصادي الأمريكي توماس ستافر قدّر على صفحات كرستيان ساينس مونيتور في 9 ديسمبر 2002 أن مجمل ما قدمته أمريكا لإسرائيل منذ 1973 هو 1.6 تريليون دولار. هذه الأموال تأتي من دافعي الضرائب الأمريكية ويراها الكثير من الأمريكيين تأتي على حساب المصلحة القومية لهم.. المصدر الثالث: سياسة المعايير المزدوجة للسياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة في قضايا كثيرة منها قضايا الإحتلال ومسائل حقوق الإنسان والديمقراطية. فينما الولايات المتحدة تدعم إسرائيل معنويا ودبلوماسيا وعسكريا واقتصادية وتجاريا - رغم أنها دولة احتلال وعنصرية- فإنها دعمت قرارات للأمم المتحدة لإنهاء الإحتلال أو وقف صراعات دموية في مناطق أخرى كما حدث في تيمور الشرقية، ورواندا، والكويت، والبوسنة والهرسك.. كما أن الإدارات الأمريكية أوقفت مد مناطق معينة بالسلاح لوقف الصراعات ولم تفعل ذلك مع الإسرائيليين والعرب... وبينما تهتم الإدارات الأمريكية بانتهاكات حقوق الإنسان في بعض الدول ودعمت القوى الداعية للإصلاح والديمقراطية فيها، فإنها تتغاضى عن انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها إسرائيل وحلفاء آخرين لها في المنطقة، بل وارتكبت هي ذاتها انتهاكات لم ترتكبها دولة من قبل. وتكفي الإشارة هنا إلى معتقل جاونتناموا وإلى إحتلال العراق وتدميره سياسيا واجتماعيا وثقافيا والسيطرة على نفطه وثرواته.. المصدر الرابع: إن إدعاء بوش بأن العرب هم الذين يعرقلون الوصول إلى تسوية سلمية إدعاء غير صحيح، فإسرائيل لم تقدم مبادرة سلام حقيقية تتنازل فيها عن طابعها العنصري والتوسعي كما فعل البيض في جنوب أفريقيا مثلا. وفي المقابل سارت منظمة التحرير الفلسطينية وبعض الحكومات العربية وراء مبادرات تسوية قدمتها أطراف عدة وقدموا تنازلات عدة، غير أن هذه المبادرات لم تفضي إلى تسوية حقيقية نظرا لتعنت الإسرائيليين ودعم الأمريكيين لهم في الأساس. ويكفي هنا الإشارة إلى ما صار يعرف بمبادرة السلام العربية من جهة، وإلى السياسات الفعلية لحكومات رابين وبيريز ونتانياهو وباراك وشارون وأولمرت التي أدت إلى مضاعفة أعداد المستوطنين والمستوطنات في الأراضي المحتلة بينما كانت نفس الحكومات تفاوض العرب في أوسلو وطابا وشرم الشيخ وواى ريفر وكامب ديفيد وغيرها. المصدر الخامس: الخلط بين الإرهاب والمقاومة: إن ما تقوم به المقاومة الفلسطينية والمقاومة الوطنية اللبنانية ليس إرهابا وإنما هو دفاع مشروع عن الذات ومقاومة مشروعة في كافة المواثيق الدولية والأعراف الإنسانية، وتشبه ما قام به الأوربيون ضد النازي والأمريكيون ضد الإستعمار الإنجليزي والسود ضد البيض في جنوب أفريقيا. أما الارهاب – كما تعرفه الأغلبية العظمى من شعوب الأرض - فهو ترويع المدنيين وقصفهم واحتلال الدول وتدميرها وفتح المعتقلات أمام الأبرياء والعزل. تلك المصادر، وغيرها، هي التي أوجدت مشاعر الغضب والإحساس بالمهانة من كل السياسات الأمريكية وآثارها في الشارع العربي، وهي ذاتها التي جعلت الكثير من الشعوب في كافة أنحاء العالم (بل وداخل الولايات المتحدة ذاتها والدول الغربية) تقف ضد سياسات الولايات المتحدة في مظاهرات مليونية شهدتها الكثير من المدن الكبرى في العالم. الحل عندكم أنتم، أيها الأمريكيون، الحل في التوقف عن الكلام وتغيير سياستكم الخارجية والكف عن المعايير المزدوجة... لكن هل لدى الساسة في واشنطون الرغبة في والقدرة على ذلك؟ ولهذا حديث آخر. • قسم العلوم السياسية – جامعة الإسكندرية www.abdelfattahmady.net
|
|
|
|
|
|
|