الخميس : 2 سبتمبر 2010 الرئيسية | اجعلنا الرئيسية | الأرشيف | الاعلانات | اتصل بنا
اضغط هنا لطباعة الصفحة للطباعة ملف نت للحفظ رأي
المرجعية العليا وفن السياسة ـ د.عبدالفتاح ماضي

من الأمور التي تحتاج إلى كثير من الجهد الفكري المعمق والعمل البحثي الجاد في نظم الحكم المعاصرة "المرجعيات العليا وعلاقتها بمؤسسات الحكم وآليات صنع القرار". دعونا نعرض لتجارب الآخرين لأخذ العبرة والعظة ثم نتناول أوضاعنا في العالم العربي.

في الغرب اجتهد، ولا يزال، صناع الدساتير والقادة والمفكرون والسياسيون في هذا الأمر لكن دون حسمه نهائياً. وقد جنّب اجتهادهم هذا مجتمعاتهم الكثير من الهزات السياسية والاضطرابات الاجتماعية الكبرى، على الأقل حتى وقتنا هذا. وقد استند هؤلاء في ذلك إلى عدد من السمات الهيكلية والدستورية والسلوكية منها: قيام تلك المجتمعات على أساس دولة المؤسسات، وطبيعة السلطة السياسية القائمة ودورها في تحقيق الضبط الاجتماعي استنادا إلى رضا المواطنين وليس القهر أو العنف، وسيادة عقلية التوافق وتقبل الآخر واعتماد الطرق السلمية لحل الصراعات السياسية، والدور المستقل لمؤسسات القضاء...

ولهذا نجد في الولايات المتحدة والغرب سقفاً متفقاً عليه- إلى حد كبير - قوامه القيم الليبرالية العليا المستمدة من أفكار الفلاسفة والمفكرين المرتبطين بعصر التنوير والنهضة في أوروبا من أمثال لوك ومونتسكيو وروسو وهيوم وسميث وكانت، بل ومن فكرة الحقوق الطبيعية التي استند إليها معظم هؤلاء الفلاسفة والمفكرين في صياغتهم لأفكارهم ورؤاهم الليبرالية. ولذا حينما تتصادم بعض الممارسات مع النصوص والقوانين، أو حينما تستجد بعض الأمور التي لم تعالجها الأنظمة والقوانين القائمة، تعود المؤسسات والأفراد إلى المرجعيات العليا والأفكار الأولية لتعديل قوانين قائمة أو لسن قوانين جديدة يحتاجها الأفراد والجماعات حتى تستقيم الحياة في المجتمع ويسود الضبط الاجتماعي في ربوعه...

ولأن تلك المرجعيات العليا من صنع البشر من جهة، ونظراً لإغفالها الجانب الروحي من جهة أخرى، فهي قاصرة وغير قادرة على حل الكثير من الأمور، ولاسيما فيما يتصل بالأبعاد الاجتماعية لحياة الأفراد والجماعات... وهذا يفسر إلى حد كبير المشكلات الاجتماعية المختلفة التي تعاني منها المجتمعات الغربية اليوم مثل تفاقم ظاهرة الإنحلال الجنسي التي تهدد النساء والأطفال على وجه الخصوص، والتفسخ الأسري، وتفاقم جرائم القتل، والانتحار وغيرها...

أما في عالمنا العربي، فتزداد أهمية النظر في علاقة المرجعيات العليا بنظم الحكم وآليات صنع القرارات بالنظر إلى مشكلة الخلاف حول المرجعية العليا وما إذا كان على الدولة - بدستورها وقوانينها المختلفة - أن تستند إلى الإسلام أم لا، وما يستتبع ذلك من قضايا أخرى مثل: أي إسلام لابد أن تستند إليه الدولة، أهو الشريعة الإسلامية أم مبادئها؟ وهل لأحد الحق في أن يدعي لنفسه الحق في – والقدرة على – تحديد تلك المبادئ أو أن يقرر ما هي تلك الشريعة؟ ثم ما العمل لو خرجت الدولة عن تلك المرجعية؟ وكيف يمكن في الأساس الحكم على أن الدولة تجاوزت تلك المرجعية؟ وما العمل للتوفيق بين تيارين يرى الأول أن المرجعية العليا تستند إلى ما يريده الناس أنفسهم وأنه لابد أن تبتعد نهائيا عن الإسلام، أو أي ديانة أخرى، وذلك بالنظر إلى وجود أقليات غير مسلمة في الدول العربية من جهة، وإلى مساوئ الخلط بين الدين والسياسة التي أظهرتها الخبرة الأوروبية في القرون الوسطى من جهة أخرى، بينما يعتقد أنصار التيار الثاني أنه لا يمكن تصور مرجعية عليا دون الإسلام بقيمه ومبادئه العليا، ويصرون على التمسك ببعض النصوص أو الوقوف عند اجتهادات معينة قد لا تتماشى كلها مع مقتضيات العصر ومشكلاته...
فيما يلي بعض الملاحظات التي قد تعمل على التوفيق بين وجهات نظر التيارين:
أولا- لم يعرف التاريخ أن شعوب هذه المنطقة مارست التمييز ضد الأقليات التي عاشت بينها، بل على العكس عرفت المنطقة صورا من التسامح والتعايش قل أن تجد لها نظيرا في مناطق أخرى، كما أنها ظلت قبلة للمضطهدين والمطرودين على مر العصور، الأمر الذي من المفترض أن يساهم في تهدئة مخاوف الفريق الأول...

ثانياً- إن ثقافة الناس التي تحدد المرجعية العليا عند الفريق الأول هي، في غالبيتها العظمي، ثقافة عربية إسلامية تستند في الأساس إلى القيم العليا والمبادئ الرئيسية التي جاء بها الإسلام، بل وإلى القيم العربية الأصيلة – وهي قيم إنسانية مشتركة في الأساس - التي ظهرت قبل الإسلام مثل نصرة المظلوم وإكرام الضيف والجود والأمانة والصدق وغير ذلك. كما أن عصمة الاجتهاد والفكر ليست لأحد، فكل فرد يجري عليه الخطأ والصواب، وكل اجتهاد قابل للنقد والمراجعة، والعصمة للكتاب والسنة، وبعد ذلك، لعموم الأمة، التي لن تجتمع على ضلالة، وأن "الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة" كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا أمر يسهم في مواجهة تخوفات الفريق الثاني – المنادي بمرجعية الإسلام.

ثالثاً- لاشك أن برامج التغيير والإصلاح ومشاريع النهضة لابد أن تخرج من رحم المجتمع نفسه، وأن تدرك الأبعاد الاجتماعية والثقافية للشعب ذاته وعلى رأسها قيمه الدينية، غير أنها أيضاً لابد أن تستوعب مشكلات الشعب ومعاناته الواقعية وتفهم احتياجات العصر وتحدياته، وتتعامل مع السنن الجارية على البشر. كما أنها لابد أن تؤمن بأن التغيير المنشود إنما يتحقق من خلال قوة عزيمة البشر وأصالة اجتهادهم ورسوخ عملهم على إنزال القيم والمبادئ العليا التي أتى بها الإسلام على واقعهم المعاش في كل زمان ومكان، وعلى إخراج وتوليد أفكار ورؤى وأنظمة وهياكل ومؤسسات جديدة لحل المشكلات ومواجهة التحديات...

رابعاً- إن جزءاً من المشكلة يكمن في تجاوز بعض الذين يتصدون لإخراج البرامج السياسية من الإسلاميين المقاصد الحقيقية للكتاب والسنة، بل والنظر إلى بعض الاجتهادات البشرية على أنها المرجعية ذاتها، بدلاً من النظر إلى تلك الاجتهادات على أنها طريقة بشرية لفهم الواقع وإنزال الأحكام عليه ... وليس في الكتاب والسنة حلولاً مجردة لمشكلات كل الأزمنة والأمكنة، وإنما فيهما ما يشكل مصدراً للنظام المعرفي الإسلامي بأكمله وضابطاً منهجياً لحياة البشر وإطاراً قيمياً مرجعياً يُستند إليه في تنظيم حياة البشر وتشريع ما يتماشى مع كل زمان ومكان وما يحقق مقاصد الشرع العليا...

خامساً- إن وضع البرامج الحزبية والسياسية – وكذا وضع وصياغة الدساتير - فن من فنون السياسة يستند إلى العلم والمعرفة ومهارات الصياغة والمواءمة وحسن التصرف، ويتطلب مرونة في التفكير والتطبيق والتكيف واتساعاً وإبداعاً في الخيال والتصرف. ومن ثم فليس من الضروري النص في الدساتير والبرامج السياسية – بشكل قاطع ونهائي - على إسلامية الدولة أو على تطبيق الشريعة الإسلامية على الكل... فالمضامين والمقاصد أهم من النصوص والديباجات، والبرامج والدساتير والأنظمة والقوانين قابلة للتغيير، بل ويجب تغييرها متى لزم الأمر.. وأقصد هنا أنه يمكن – على سبيل المثال- النص في الدساتير على الاستناد إلى مبادئ الثقافة العربية وقيمها الأساسية بشكل عام والتي تضم القيم الإسلامية والعربية بل والمسيحية الشرقية (في مصر ولبنان مثلاً) أو الكردية (في سوريا والعراق) أو الأمازيغية (في الجزائر) أو الأفريقية السوداء (في السودان وموريتانيا)، أو التنوع المذهبي (في العراق وعُمان وسوريا والبحرين والكويت) وذلك حسب الأوضاع الداخلية لكل بلد عربي... أو يمكن وضع نصوص دستورية تمنع انفراد جهة واحدة (حزب، مذهب، مؤسسة...) بمقاليد الأمور والانقلاب على الدستور ذاته كما فعلت ألمانيا بعد النازية...

ولنا في سيرة النبي الأكرم يوم الحديبية خير دليل على ضرورة أن يتحلى صاحب المشروع الإصلاحي ذو التصور الصحيح والبصيرة الثاقبة بالتركيز على المقاصد والغايات والأهداف الأبعد والأهم لعموم الناس. ألم يتجاوز النبي محمد عليه الصلاة والسلام عن كتابة البسملة وإثبات صفة النبوة في عقد إتفاق الحديبية وتمسك بالحكمة وضبط النفس والصبر والتخطيط طويل الأجل ولم ينزلق وراء ردود الأفعال العاطفية وغير الحكيمة؟ والله أعلم.

---------
* خبير الأمم المتحدة بالبحرين ومدرس العلوم السياسية بجامعة الإسكندرية
www.abdelfattahmady.net