الخميس : 2 سبتمبر 2010 الرئيسية | اجعلنا الرئيسية | الأرشيف | الاعلانات | اتصل بنا
اضغط هنا لطباعة الصفحة للطباعة ملف نت للحفظ رأي
نعم للحرية بكل الطرق الممكنة ـ د.عبدالفتاح ماضي

تغيبت قليلا عن قراء "المصريون" لحضوري اللقاء السنوي لمشروع دراسات الديمقراطية في الدول العربية الذي يتخذ من أكسفورد مقرا له ويديره باقتدار وحكمة المفكر العربي علي خليفة الكواري. قدّمتُ في المؤتمر ورقتين الأولى عن مفهوم الانتخابات الديمقراطية والتي سبق أن كتبت عنها في أكثر من مكان، أما الورقة الثانية فكانت عن أول انتخابات رئاسية مصرية... وقد شارك في المؤتمر عدد من الباحثين والصحفيين قدموا عدة أوراق عن الانتخابات التي أجريت في دول عربية منها - بجانب مصر - الكويت، فلسطين، موريتانيا، الجزائر، المغرب، واليمن، وذلك إلى جانب عدد من المفكرين والمثقفين العرب على رأسهم الشيخ راشد الغنوشي، والدكتور هيثم مناع.
أقف اليوم عند إشكاليتين رئيسيتين أراهما يبرزان دوما عند الحديث عن قضايا الإصلاح في العالم العربي. الأولى تتصل بمدى ملائمة الطرق السلمية وعلى رأسها المشاركة السياسية والانتخابات في إحداث التغيير المنشود، والثانية تتعلق بتحول الآليات والحلول التي يستخدمها الآخرون إلى مآزق ومشكلات عند وصولها للعرب.
فبعد سنوات من مشاركة قوى المعارضة في العمل السياسي في أكثر من بلد عربي عن طريق الانتخابات لا تزال كل الحكومات في مكانها ولم يحدث تغيير ديمقراطي واحد في العالم العربي. ولقد أثبت الواقع العربي المعاصر أنه ليس لدى معظم النخب الحاكمة النية في الإصلاح الحقيقي وما الانتخابات التي تجرى والتعددية السياسية الظاهرة إلا واجهات ديمقراطية مزيفة تُخفي ورائها حكما مطلقا لم يتزحزح قيد أنملة عن جوهر الاستبداد وقمع الحريات.
ولهذا صار قطاع من العرب لا يؤمن بخيار التغيير السلمي عبر صناديق الانتخابات ويعتقد أن المشاركة السياسية في هكذا أنظمة يساعد الحكام المستبدين على البقاء والاستمرار بتوفير بعض الشرعية لهم بدلا من المساهمة في هدم الاستبداد. ويرى هؤلاء أن تحرك الشارع هو الخيار الوحيد المتبقي... وعلى الرغم من صحة مقدمات ذلك الرأي بيد أن طرق التغيير لا يمكن أن تتجاوز الطرق السلمية كليةً، فقد أثبتت تجارب التحول الديمقراطي في العقود الأربعة الأخيرة أن شعار "لا لمقاطعة الانتخابات" أثبت نجاحه في كثير من دول العالم الثالث. وفي عقدي السبعينيات والثمانينيات دخل حكام مطلقون انتخابات حرة ونزيهة وخسروها بعد أن ظنوا أنها في متناول أيديهم كما اعتادوا من قبل... كما أن بعض القوى الوطنية والإسلامية حققت نجاحات يعتد بها في أكثر من عاصمة عربية بفضل تحديها للسلطة الحاكمة عبر صناديق الانتخابات...
غير أن مشاركة المعارضة تتطلب أمرين محوريين هما: الأول تكتل المعارضة وعدم دخولهم الانتخابات فرادى، فجُل تجارب التحول الناجحة استندت في الأساس إلى تكتل المعارضين ضد السلطة وهذا ما قدمته لنا حالات كثيرة في جنوب كوريا وكينيا والسنغال وغيرها من دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية. فهل يمكن أن نرى ائتلافات عربية معارضة تترفع عن خلافاتها الضيقة وتضع نصب أعينها هدفا أساسيا واحدا هو إزاحة الاستبداد ووضع الأسس لحكم رشيد؟ أما الأمر الثاني فهو ضرورة الاستفادة من رفض الشارع لأجل تكثيف الضغوط على السلطة وتحقيق مكاسب على أرض الواقع، كما حدث في أكثر من عاصمة خارج العالم العربي. فهل يمكن أن نشاهد في الشوارع العربية ملايين المواطنين الرافضين لسياسات حكوماتهم وهم يرفعون الشموع ودون تحطيم ممتلكات الدولة أو المواطنين؟
أما الإشكالية الثانية التي تتعلق بتحول آليات الحل عند الآخرين إلى مآزق عند وصولها إلى العرب فتظهر جلياً في دخولنا دوما في مناقشات جانبية لا أعتبرها تصب في مصلحة هدفنا الأساسي. ففي أمريكا اللاتينية تنازل العسكر عن السياسة بعد عقود من تحكمهم في مقاليد الأمور، أما في موريتانيا فالعسكريون الذين خلصوا البلاد من حكم الفرد المطلق متهمون بالتربص بالديمقراطية والعمل من وراء الأسوار. وبينما يقوم الجيش بحماية الدولة في تركيا ويرفض – حتى الآن على الأقل – قلب الديمقراطية نجده مُسيطر عليه من قبل الحكام بمساعدة أجهزة أمنية ومخابراتية كما يحدث في مصر وسوريا والجزائر وتونس وغيرها.
والانتخابات التي اُستخدمت كآلية للتعددية والمشاركة وتغيير الحكام في دول أفريقية صغيرة مثل بنين وتوجو أصبحت أداة للحصول على شرعية زائفة ولإلهاء الجماهير عن القضايا الحقيقية في العالم العربي. أما القضاء الذي قام بحماية التحول الديمقراطي في أكثر من دولة أوربية شرقية وآسيوية فقد تم السيطرة عليه والتدخل في أعماله كما الحال في مصر وغيرها. والقوانين والأنظمة الانتخابية التي تستهدف معالجة القضايا المتصلة بالأبعاد الطائفية والمذهبية والعرقية في دول أوروبية وفي جنوب أفريقيا وماليزيا وإندونيسيا وغيرها صارت أدوات للتحكم في المعارضين والتضييق على الناخبين في مصر وفلسطين والجزائر والكويت والأردن. إنها مهارة المستبدين عندما يستخدمون كل الطرق الممكنة – بما فيها الآليات الديمقراطية ذاتها - للحفاظ على الوضع القائم.
أما الضغط الخارجي الذي استغله الإصلاحيون ودعاة الديمقراطية في معظم الدول التي شهدت تحولا ديمقراطيا فلا يزال معظم الإصلاحيون العرب يرونه تحالفا مع الأمريكيين وخذلانا لقوى المقاومة في فلسطين والعراق، وذلك على الرغم من إدراكهم أن موازين القوة الداخلية غير قادرة لوحدها على إحداث التغيير المطلوب، ومعرفتهم بقوة السلطات الحاكمة واعتمادها الكلي على الأجهزة الأمنية والبوليسية. ويستخدم الغرب كل الطرق الممكنة أيضاً لتحقيق مصالحه، بما في ذلك الترويج لشيئ من الديمقراطية أو لدعم الحكومات المطلقة...
لقد رفع الأمريكيون السود في أمريكا شعار "بكل الطرق الممكنة" لتحقيق أهدافهم المشروعة في عالم كان يتحكم فيه الرجل الأبيض الأنجلوساكسوني. فهل يمكن للعرب أن يرفعوا شعار "لا للاستبداد ونعم للحرية بكل الطرق الممكنة". انتهاز الفرص السانحة واستغلال كل الطرق الممكنة تحتمه أوضاع السلطة في داخل المجتمعات العربية وموازين القوة مع الخارج... والإصلاحيون والشرفاء وراء القضبان أو في غياهب النسيان واللاجئون والنازحون يُطاردون من طرابلس حتى غزة. إنها ليست دعوة للانتهازية وإنما للإنعتاق. والله أعلم.
-----------
قسم العلوم السياسية – جامعة الإسكندرية
www.abdelfattahmady.net