|
|
|
|
إعدام صدام: لا وقت للمزايدات ولا للنظريات ـ د. عبدالفتاح ماضي
|
| د. عبدالفتاح ماضي* : بتاريخ 6 - 1 - 2007 |
جُل العرب غاضبون لإعدام صدام حسين يوم عيد الأضحى، وغاضبون من ويلات الاحتلال وفظائعه في العراق، بقدر غضبهم من جرائم دولة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، ومن التسلط والاستبداد التي يسود جل عالمهم العربي المنكوب. هذا الغضب مشروع ومبرر، وذلك في ضوء سياسات الاحتلال الأمريكي وتصرفات دعاة الطائفية والمذهبية في العراق التي أدت إلى زرع فتن بين السنة والشيعة وبين العرب والأكراد والفرس. والغضب مشروع ومبرر في ظل ما قامت به الحكومة العراقية -ومن ورائها سلطة الاحتلال- بإصرارها على محاكمة صدام في ظل الاحتلال، وعلى محاكمته على بعض القضايا دون غيرها، ثم في تنفيذ حكم الإعدام بشكل متسرع، بل واختيار يوم الأضحى للتنفيذ، الأمر الذي أدى إلى إظهار صدام على أنه ضحية محاكمة غير عادلة وانتقام طائفي ومذهبي، بل وإيراني وأمريكي واضح، فإلى انقسام آخر في الشارع بين مؤيد لصدام ومعارض له... لكن الغضب الذي يعتري الشارع العربي لابد أن يتجنب السقوط في الفخ الذي نصبته قوات الاحتلال ومن حالفها من النخب الطائفية، فليس المهم هنا مشاعر الدهشة والاستغراب التي يمر بها الكثيرون، وإنما المهم هو أخذ العبرة والعظة من الحدث فما حدث هو درس متكرر في التاريخ. ففي عالمنا المعاصر، عالم القوة والمصالح، هناك دوماً قوى تخطط وتضع الإستراتيجيات لتحقيق مصالحها ولو على حساب تفتيت هذا العالم العربي والقضاء على ما تبقى منه عن طريق إشعال فتن عرقية ومذهبية بين أبنائه. وتكاد التجربتان اللتان مر بهما العالم العربي منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم تتشابهان في الكثير من ملامحهما العامة: فأولاً: تُغلف القوى الكبرى على الدوام استراتيجياتها بشعارات براقة تزرع أملاً زائفاً في قلوب الكثيرين وتأتي بمشاعر متضاربة تجعل عامة الناس في حيرة من أمرهم وتقض مضاجع النابهين منهم، وخاصة مع التناقض الواضح بين سياسات تلك القوى في الخارج وما تُطبقه وتدافع عنه داخل دولها. ففي سعيها أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين لحماية مستعمراتها الممتدة في الهند، ضربت بريطانيا عرض الحائط بالقيم الليبرالية التي ناضل الكثيرون من أجلها في الداخل وتصدت -بشكل عنصري واضح- لمسألتين واجهتا العالم وقتذاك (المسألة الشرقية وإرث الإمبراطورية العثمانية، وما أسمته الحركة الصهيونية "المسألة اليهودية") عن طريق تقسيم العالم العربي والحيلولة دون قيام خلافة عربية على أنقاض الخلافة العثمانية وزرع كيان غريب بين مشرق العالم العربي ومغربه، وذلك تحت شعارات القومية والمدنية وإعادة الخلافة للعرب. أمريكا مارست الأسلوب نفسه، فعند تعاملها مع المنطقة العربية، دفنت قيم ويلسون عن حق الشعوب في تقرير مصائرها، وراحت تمارس –حتى يومنا هذا- سياسات تتناقض مع مبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة التي تعتز بها في الداخل. لقد حدد الأمريكيون لأنفسهم أهدافاً ثلاثة هي ضمان تدفق النفط بأسعار رخيصة للغرب، واستمرار هيمنة أمريكا على المنطقة والعالم، وأمن وتفوق حليفتهم إسرائيل، وقد تم هذا تحت شعارات زائفة ظلت تدور حول الدفاع عن الحرية وما يسمى قيم العالم الحر، ثم حول نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان... ثانياً: تستند القوى الكبرى في تنفيذ سياساتها إلى أساليب ومعايير مزدوجة أبعد ما تكون عن الإنصاف، كما تستعين بأدوات ونخب محلية تظن أنها تنتمي للمنطقة وتعمل على تحقيق مصالح أبنائها وصياغة مستقبلها، لتتخلى عنها تلك القوى بعد انتهاء دورها. فبريطانيا استدرجت العرب لمحاربة الأتراك ودعمت القوى الطورانية داخل تركيا، ومارست دبلوماسية مزدوجة لصالح اليهود في شكل مراسلات الحسين/مكماهون، ووعد بلفور، واتفاقيات سايكس بيكو، ثم ضحت – في نهاية المطاف- بأحد الذين وثقوا بها في المنطقة (الشريف الحسين) وبقية حلفائها من العرب. أما الولايات المتحدة فقد اقتضت مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية السيطرة على حقول النفط باتفاقيات ثنائية وبأشكال مختلفة من الوجود العسكري بما في ذلك تدمير العراق مرتين ثم احتلاله بمساعدة أطراف عربية. أما في شأن "مسألة اليهود"، فقد استندت أمريكا إلى سياسة المعايير المزدوجة والانحياز التام لصالح إسرائيل. وقد تُرجم هذا في شكل تدفق أشكال مختلفة من المعونات العسكرية والاقتصادية والفنية والمساعدات التكنولوجية والاستخباراتية والأمنية تجاه إسرائيل. وقد دأبت الولايات المتحدة علي توفير أمرين حيويين لإسرائيل في أعقاب كل اعتداء تقوم به ضد العرب هما: الحماية الدبلوماسية لها في المحافل الدولية، والدعم المالي الإضافي بعد كل عدوان تقوم به، وذلك بهدف الإبقاء على التوتر، بل وتعميق النزاع في المنطقة التي أُريد لها أن تبقى مجزئة وأرضاً خصبة لكافة أنواع الصراعات ومستورداً دائماً للسلاح الغربي. ولقد ضحت أمريكا بأحد رجالها القدامى أيضاً (صدام حسين)... ثالثاً: تعمل القوى الكبرى على زرع الفتنة بين الصفوف وتقف دوماً بالمرصاد ضد أية محاولات عربية للإتحاد. لقد أحبطت بريطانيا محاولة محمد علي إقامة دولة موحدة تضم مصر وسوريا ونجد والحجاز والسودان، وبموجب اتفاقيتين وقعتهما مع مصر سنة 1840 أوقفت عملية التصنيع في مصر وقلصت حجم الجيش المصري. وبعد استدراجها للعرب ضد الأتراك، زرعت بريطانيا -مع فرنسا الاستعمارية- حدوداً مصطنعة بين أقاليم العالم العربي وجعلت أماكن حدودية مناطق متنازع عليها حتى يومنا هذا. ووقفت بريطانيا بالمرصاد ضد أية محاولات لتوحيد العرب، بعد زوال الإمبراطورية العثمانية، برفضها كل صور الإتحاد الحقيقي ثم دعمها لصيغة الجامعة العربية التي وُلدت كجامعة لدول مستقلة في الأساس. أما الولايات المتحدة فقد وقفت بصرامة واضحة ضد أي شكل من أشكال التضامن العربي، بل وعملت على استعداء العرب ضد بعضهم البعض وخلق محاور متصارعة في المنطقة: بين التقليديين والقوميين، ثم بين العلمانيين والإسلاميين، والسنة والشيعة، والمسلمين والمسيحيين، وذلك تحت شعارات ظلت تدور حول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وبمساعدة نخب محلية أيضاً... إن ما سبق لايعنى إحالة الأمر إلى نظرية المؤامرة أو التهويل من شأن استراتيجيات الغير، وإنما الهدف هو دفع الشعوب والنخب إلى الاستيقاظ وامتلاك إرادتها السياسية لمواجهة ما يفعله ويخططه الآخرون لتحقيق مصالحهم، أي دفعهم إلى ترتيب الأولويات وإلى التخطيط السليم، وإلى تعلم دروس التاريخ الكثيرة، فلا وقت للمزايدات ولا للنظريات: الدرس الأول: الوقوع في فخ الانقسامات والتناحر المذهبي والعرقي والطائفي (وكذا الجدل حول صدام حسين وهل هو وطني أم لا) لن يؤدي إلا إلى مزيد من الضعف والهوان. إن ما يجمع السنة والشيعة، العرب والفرس والأكراد، العلمانيين والإسلاميين، هو مصالحهم المشتركة في عالم لا يعرف إلا لغة القوة والمصالح ولا تتعامل الدول فيه فرادى. هكذا فعل الأوربيون بعد قرون من التناحر والانقسام إلى أكثر من 500 دويلة عام 1500 ميلادية. الدرس الثاني: الخنوع للاستبداد والمستبدين، والتستر على الفساد والمفسدين، والتضحية بالحريات في سبيل ما أسمته النخب الحاكمة "الاستمرار" و"الاستقرار" أو "مواجهة عدو خارجي متربص" لن يؤدي إلا إلى الخراب والدمار، بل وإلى قدوم المحتلين –بشكل مباشر أو غير مباشر – وإلى تفسخ الدولة والمجتمع. لابد أن ترفض الشعوب الخضوع لحكم الفرد المستبد وقمع الحريات على كافة المستويات وبكل الوسائل الممكنة، ثم تناضل من أجل أن تشارك في تحديد مصائرها والتأثير في شكل نظم حكمها... الدرس الثالث: إن تفكير الثنائيات وانقسام الناس إلى ضدين متناحرين عند تناولهم أية مسألة تواجههم (سنة وشيعة/ عرب وفرس وكرد/ من يمجد الحاكم ومن يلعنه أو يكفره/ مع صدام أو ضده..) لن يجلب إلا مزيدا من ضيق الأفق وضحالة الفكر وتأزم الحلول. إن نضج الشعوب يبدأ من خروجهم من هذا النفق، والاقتناع بأن التغيير عملية مستمرة ويتطلب ترتيباً للأولويات ويستغرق وقتاً قد يمتد لسنوات أو عقود، وكذا الإيمان بأن استعجال النتائج يثبط الهمم ويضعف العزائم ويشيع اليأس من مواجهة التحديات... الدرس الرابع: القوى الكبرى تتخلي عن النخب المحلية الذي تستخدمها لتحقيق أغراضها بمجرد انتهاء دورها، لتسقط تلك النخب بتجاوز التاريخ لهم، أو تحت أقدام الجماهير أو بعمل مسلح مباشر من القوى الكبرى ذاتها (الشريف الحسين، صدام حسين، وكذا ماركوس في الفلبين ونورييغا في بنما وبينوشيه في تشيلي ..). على النخب السياسية والفكرية إدراك أن مصالح الشعوب أهم وأبقى من المصالح الشخصية والقطرية وأن القيم والمبادئ تعلو على أي مغانم مادية زائلة. فالتاريخ لن يرحمهم. ------------ * قسم العلوم السياسية - جامعة الإسكندرية. Abdelfattah.Mady@gmail.com
|
|
|
|
|
|
|