|
|
|
|
لماذا لا يجب أن يُعدم صدام؟ ـ د. عبد الفتاح ماضي
|
| د. عبد الفتاح ماضي : بتاريخ 27 - 11 - 2006 |
أثار الحكم الذي صدر بإعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين اعتراض الكثير من الأطراف، فالبعض اعتبر أن الإصرار على المحاكمة في ظل الاحتلال يُنقص من حيادية المحكمة ونزاهتها، ورأى البعض الآخر أن من يجب محاكمته هو جورج بوش وتوني بلير وليس صدام حسين، أو بالإضافة إلى هذا الأخير. بل ثمة من أصبح مقتنعاً بأن العراق الآمن بحاكم مثل صدام حسين خير من العراق الحالي الذي يموج في بحر من الدماء والفتن والتدخلات الخارجية. قد لا يختلف المرء مع جُل تلك المواقف والآراء، فمعظمها يأتي تعبيراً عن فهم وتقدير شاملين للأوضاع التي تمر بها العراق بشكل عام. غير أن هناك بعدا أراه مهماً للعراق وللعالم العربي بمجمله يبرر عدم إعدام صدام وأعوانه، وكتبت عنه في الحياة اللندنية مطلع هذا العام، وعرضته على أكاديميين ومسؤولين عراقيين أيضاً، ومن الأهمية طرحه من جديد بعد أن صدر بالفعل قرار بالإعدام في حق صدام.
فالشعوب والأمم تتعلم من تجاربها التاريخية بهدف تجنب ما فيها من آلام وانكسارات، وتعلُم ما تحتويه من دروس وعِبَر، ولذا تجد في الغرب المعاصر، مثلا، مراكز بحثية ومقررات دراسية تهتم بما يسمى الهولوكوست، أو بتاريخ وأحوال أقلية ما، أو بدراسة شخصية أثّرت في الحياة العامة. وتتعدد مناهج بحث هذه الظواهر وأساليب جمع المعلومات وتحليلها من تاريخية إلى اجتماعية، ومن نفسية إلى سياسية، ومن كَمية إحصائية إلى كيفية ثقافية وانثربولوجية. في العراق اليوم فرصة ذهبية لسبْر أغوار صفحة مهمة من صفحات العالم العربي، وأقصد هنا عهد الرئيس السابق صدام حسين. والفرصة تتمثل في وقوع رأس النظام وجُل أركان حكمه في الأسر، وذلك على عكس معظم التجارب المشابهة التي اختفي أصحابها إنْ بالقتل والتصفية الجسدية أو الموت أو بالانتحار. إننا في العراق أمام أُناس كانوا بالأمس القريب مسؤولين عن سلسلةٍ من الأخطاء في حق الشعب العراقي والمنطقة العربية كلها. كما أفضت سياسات هؤلاء واستهداف الولايات المتحدة والغرب لهم – مع عوامل أخرى - إلى وضع البلاد في مأزق سياسي واقتصادي وإنساني، وفرْض حصار قاسٍ وظالمٍ لم يُزعزع أركان النظام الحاكم بقدر ما أدى إلى هلاك وتهجير الملايين من الأبرياء، بل وأدى في النهاية إلى احتلال القوات الأمريكية والبريطانية العراق وإسقاط نظامه بالقوة...
ونظراً لكِبَر حجم تجاوزات هذا النظام من جهة، ووجود أركانه في الأسر من جهة أخرى، فإنني أرى أنه لا يجب أن يقتصر التعامل مع هؤلاء الناس على إرسالهم إلى القضاء. فبجانب المحاكمة (التي لابد أن تكون عادلة ونزيهة وبعيدة كل البعد عن الانتقام وتصفية حسابات مذهبية أو عرقية - والأهم - بدون أي تأثير من قوات الاحتلال الأمريكي) أتصور ضرورة وجود عمل بحثي، مؤسسي، ومُنظم يتمثل في إنشاء مركز دراسات مستقل يضم مجموعة متنوعة من الباحثين في كافة التخصصات الاجتماعية والسياسية والإستراتيجية والاقتصادية والنفسية، وغير ذلك. على أن يكون هدف المركز هو الإجابة عن سؤالي العلم الحديث: لماذا حدث ما حدث؟ وكيف حدث؟ فمن خلال إعطاء الفرصة لعلماء السياسة والاجتماع والاقتصاد والمحللين النفسيين لمقابلة صدام وأتباعه، وإخضاعهم للدراسة والتحليل بأدوات ووسائل بحثية متنوعة، يمكن الوصول إلى العديد من التفسيرات والنتائج تُقدّم ليس فقط إلى الشعب العراقي، وإنما إلى كل الشعوب العربية، وإلى الباحثين والمسؤولين وولاة الأمور. فعلماء السياسة والإستراتيجية سيكون في مقدورهم تقديم بعض التفسيرات لدور القوى الكبرى في تأييد النظام، وفي دعمه في حربه مع إيران، ثم في تهيئة الطريق أمامه لغزو الكويت. كما سيكون في مقدور علماء السياسة والاجتماع تفسير جوانب مهمة من نظام تَسَلط وتَجَبَر وجَمَعَ الناس من حوله بأدواتِ ترهيبٍ وترغيبٍ كثيرة، وكذا تفسير كيف حَوّل صدام حزباً يؤمن بالقومية العربية والوحدة العربية إلى حزبٍ متسلطٍ مستبدٍ، يجتمع الناسُ فيه إمّا خوفاً أو كرهاً أو طمعاً، وتفسير كيف استعمل النظام الدين في خدمة السياسة في العقد الأخير، وغير ذلك. أما علماء النفس فسيجدون مادةً خصبةً وطرقاً عدة لدراسة نفسية هؤلاء، وانفعالاتهم، والمحددات الشخصية والبيئية لسلوكهم...
إن المادة العلمية لهؤلاء الباحثين هي شهادات حيّة لأركان النظام وصانعي القرارات والسياسات، الأمر الذي من شأنه أن يُكسب نتائج تلك الأبحاث والدراسات سمات الموضوعية والحياد والمصداقية. وذلك يتطلب أن يستند مركز الدراسات في قيامه واستمراره على مبدأ الاستقلال، أي تحييد كل العوامل السياسية والمذهبية والعرقية والشخصية في شأن تشكيله وفي عمله وعند إعلان نتائجه ونشرها. هذا ناهيك عن أن من عوامل نجاح هكذا عمل توفير الدعم المالي اللازم لضمان تفرُغ الباحثين والعلماء لفترة زمنية قد تمتد لسنوات. أما الأبعاد الأخلاقية التي هي جزءٌ لا يتجزأ من أي عمل بحثي فلا تقف – في تقديري - حائلاً دون إتمام مقترح كهذا، فأهمية النتائج المرجوة من جرّاء هذا العمل على مصير الشعب العراقي ومصائر الشعوب العربية من الجيل الحالي والأجيال القادمة لا تُقدر بثمن، كما أنها تُبرر "إخضاع" مجموعة من البشر (المبحوثون الجدد/الحكام القدامى) لعمليات بحث ودراسة على غير رضاهم، بعد أن ظل هدف هذه المجموعة ذاتها لعقود عدة ينصب على كيفية "إخضاع" الشعب العراقي وحرمانه من حرياته الرئيسية...
الأهم من كل هذا أنه من شبه المؤكد أن سلطات الاحتلال الأمريكي ليس في صالحها تبني مشروع مثل هذا بالنظر إلى علاقاتها السابقة مع النظام، وطبيعة سياساتها في المنطقة بشكل عام. كما أن أية حكومة عراقية تحت الاحتلال لن يكون بمقدورها المطالبة به. وحدها حكومة عراقية ديمقراطية، ومستقلة القرار السياسي بإمكانها الشروع في مثل هذا المشروع الذي لا يستهدف غير الحقيقية والمصلحة العامة. ولأن ظهور مثل تلك الحكومة من الأمور المستبعدة (على الأقل في المدى المنظور)، فإن اقتراحا مثل هذا سيظل صرخة يتيمة ترفضها أبجديات السياسة المعاصرة، لكن يتحسر عليها كل من ينشد الخلاص والنهضة لتلك الأمة المنكوبة. ------------ * قسم العلوم السياسية - جامعة الإسكندرية. ammady@gmail.com
من المحرر : رجاء إلى جميع الأصدقاء قراء الصحيفة أن يتم اختصار التعليق بما لا يتجاوز خمسة أسطر نظرا للصعوبة البالغة التي نعانيها في التعامل مع عشرات التعقيبات المطولة ، ونعتذر لكل من نمتنع عن قبول تعقيبه إذا طال عن ذلك ، كما ترحب الصحيفة بأية مقترحات بديلة من السادة القراء . |
|
|
|
|
|
|