تاريخ العدد :  
رئيس التحرير : محمود سلطان
   
    انسحاب زعيم حركة طالبان الباكستانية من مباحثات السلام مع الحكومة بعد أن رفضت سحب الجيش من المناطق القبلية على الحدود الأفغانية         المقاومة الصومالية تهاجم القوات الإثيوبية بمقديشو وبيدوا وحركة الشباب المجاهدين تستعيد بلدة جديدة جنوب غرب الصومال        الجيش الإسلامي في العراق يؤكد أنه تمكّن من إسقاط طائرة للاحتلال الأمريكي بدون طيار جنوب العاصمة بغداد        مقتل وإصابة 5 جنود أستراليين في هجوم لطالبان بولاية أروزغان جنوبي أفغانستان        استشهاد سبعة فلسطينيين بينهم أربعة أطفال أشقاء من عائلة واحدة وأمهم وإصابة آخرين في قصف إسرائيلي لمنزلهم شمال بيت حانون     
اضغط هنا لطباعة الصفحة للطباعة ملف نت للحفظ الرئيسية
حكاية سياسية: الفلبين ـ د.عبدالفتاح ماضي
حكاية الفلبين مفيدة لعدد من الدول العربية التي لم يتعلم فيها المعارضون كثيراً عن كيفية التعامل مع الحكام المستبدين، بينما يتعلم الحكام من أخطاء الآخرين ويتفادون، كل يوم، بعضاً من مكامن الخطر التي سقط فيها زملاؤهم السابقين من الحكام المطلقين.
ظلت الفلبين تحت الاحتلال الإسباني لأكثر من ثلاثة قرون، ثم عانت من الاحتلال الأمريكي لنحو نصف قرن إلى أن حصلت على استقلالها عام 1946. وبعد الإستقلال تبنت النظام الرئاسي لكن في ظل تبعية سياسية واقتصادية لأمريكا ووجود قواعد عسكرية أمريكية. كما عانت البلاد من سيطرة الرئيس المنتخب عام 1965 فرديناند ماركوس لأكثر من 20 سنة لتعيش البلاد في ظل أوضاع ليست غريبة عن معظم دولنا العربية: خلط شديد بين الدولة والنظام والحكومة - انتخابات مزورة - شبكة من علاقات الترهيب والترغيب وشراء ذمم الناس - نظام الحزب الواحد المسيطر – تفشي الفساد - ارتفاع معدلات الجريمة في الشارع - اضطرابات داخلية وظهور جبهة مورو لتحرير شعب مورو المسلم - الربط بين وجود المعارضة السياسية (الشيوعية هناك) وبين تهديد النظام والأمن القومي للدولة واتخاذ هذا مبرراً لسيطرة الأجهزة الأمنية والجيش ومركزية الدولة - الأحكام العرفية منذ عام 1972 وقمع الحريات والحقوق والصحافة واعتقال المعارضين.. الفرق بين ماركوس وغيره أن ماركوس حقق انجازات في النواحي الاقتصادية والتنموية والسياحية، على عكس حكام آخرين قضوا على الأخضر واليابس في مجتمعاتهم..
لعبت عدة عوامل دوراً مؤثراً في البدء في عملية إنفتاح سياسي ثم في تطور هذا الانفتاح إلى انتقال ديمقراطي في منتصف الثمانينيات, فعشية زيارة البابا للبلاد مطلع عام 1981 اضطر ماركوس إلى التخلي عن حالة الطوارئ، لكن مع الإبقاء على الكثير من سلطته الفردية.. ومع تصاعد الفساد والإضطرابات الاجتماعية بدأ الاقتصاد الفلبيني في التدهور تاركاً الكثير من الآثار السلبية على مختلف فئات المجتمع.. ثم قُتل زعيم المعارضة بينينو أكينو عام 1983 مما أدى إلى اندلاع سلسلة من التظاهرات الشعبية، وقيادة أرملته كورازون المعارضة، وبدء الضغط الأمريكي على نظام ماركوس..
غير أن من أبرز عوامل نجاح هذا الانتقال قوة التظاهرات الشعبية والتعبئة الاجتماعية ضد النظام وظهور نخب غير راضية تطالب بالتغيير، والأهم تشكيل تكتلات سياسية استطاعت التعامل بحكمة مع تحديات اللحظة التاريخية.. فقد ظهر تكتل معارض من أحزاب المعارضة التقليدية لماركوس بقيادة سلفادور لوريل تحت اسم المنظمة الديمقراطية المتحدة للوطنيين من عدد من الأحزاب والمنظمات التي كان هدفها الأساسي هو اقصاء ماركوس بالطرق القانونية القائمة.. كما ظهر تكتل آخر من حزبيْن آخرين هما الحزب الديمقراطي الفلبيني وحزب لابان الذي شكله زوج أكينو عام 1978. ثم تحالف هذان التكتلان معاً ضد ماركوس.. وخاضت كورازون أكينو انتخابات الرئاسة ضد ماركوس في 7 فبراير 1986 ومعها لوريل كمرشح لمنصب نائب الرئيس.. ليصلا معاً للحكم برغم أن لجنة الانتخابات أعلنت فوز ماركوس لفترة أخرى غير أن تصاعد الاتهامات بتزوير الانتخابات وإدانة مؤتمر الكنائس لها، وكذا الولايات المتحدة، أدت إلى ثورة عارمة بالشارع وإعلان الجنرال فيدل راموس، الذي كان ذراع ماركوس في تنفيذ حالة الطوارئ في الماضي، ووزير الدفاع خوان إنريل سحب دعمهما للنظام.. ولهذا خُلع ماركوس ونفي للخارج، ثم أعنت لجنة الانتخابات في 24 مارس فوز أكينو ولوريل بالرئاسة. تزوير الانتخابات هناك استتبعه نضال ممتد لفضحه وإلغائه.. في أماكن أخرى يتم التزوير علناً، لكن وما أن تُعلن النتائج حتى يتناسى الناس الأمر.. وتعود أطراف المعارضة لتوجيه سهامها إلى بعضها البعض..
وأظهرت الحالة الفلبينية أن ظهور معارضة ديمقراطية حقيقية وضاغطة في الداخل يساعد على عدم استمرار الحليف الخارجي في دعم النظام.. فتغيير مواقف القوى الدولية من ماركوس كان نتيجةً منطقيةً لوجود بديل ديمقراطي ذي خطاب سياسي معتدل، وغير معادٍ للغرب...فلكل مقام مقال.. وكما أشارت التجربة، وغيرها من التجارب، فإن حصول المعارضة الديمقراطية على إشارت دعم خارجية كان في غاية الأهمية على أكثر من صعيد، فقد أسهم في منع إنقلاب المحافظين المعارضين للانتقال داخل النظام أو ايقافهم لعملية الإنتقال والإكتفاء بالواجهات الشكلية.. كما ساعد على منع انقلاب المعارضة المتشددة أو إفسادها للانتقال.. وفي الفلبين توفر هذا البديل الديمقراطي المعتدل أمام الولايات المتحدة، في شخصية كورازون أكينو والمعارضة المعتدلة التي قادتها.. وكذا الحركة الإصلاحية داخل الجيش.. ولهذا تنازلت الولايات المتحدة عن دعم ماركوس وطالبت برحيله وأيدت أكينو..
وبمجرد وضع دستور جديد وإنشاء نظام سياسي ديمقراطي يعبر عن صوت وآمال الجماهير، شرعت الحكومة المنتخبة في مفاوضات حول الوجود الأمريكي في البلاد، ثم رفض مجلس الشيوخ الفلبيني المفاوضات في النهاية وطالب بخروج الأمريكيين وتصفية كل القواعد العسكرية.. فاضطرت الولايات المتحدة إلى الإنسحاب وإغلاق آخر قواعدها عام 1992.. ما أبرز الدروس؟
الأول: اتفاق قوى المعارضة على هدف مشترك وتنحية الخلافات جانباً والعمل من أجل التغيير هو مفتاح الانتقال الحقيقي.. أما التنافس السياسي على البرامج والإيديولوجيات فيأتي لاحقاً بعد إقامة الديمقراطية.. وهذا ما حدث في الفلبين فبعد سقوط ماركوس وانتصار الديمقراطية لم تستمر التحالفات التي قامت طويلاً من قبل وراحت الأحزاب تتنافس في انتخابات ديمقراطية حقيقية ووتتسابق في ظل إطار ديمقراطي يسمح بالتداول على السلطة وحماية الحريات.. أي الديمقراطية أولاً والتنافس لاحقاً..
الثاني: هيمنة الولايات المتحدة لا تواجه بالصراخ وبيانات الإدانة وإثبات المواقف ولا بالدعاء والأمنيات.. إن الحكومات الديمقراطية عنصر قوة، وهي وحدها القادرة، اليوم، على التعبير عن إرادة الناس والعمل من أجل انجاز مصالحهم ومواجهة القوة الأمريكية بنفس اللغة التي تفهمها..
-----
قسم العلوم السياسية - جامعة الإسكندرية
www.abdelfattahmady.net

اضف تعليقك
الاسم :
عنوان التعليق:
التعليق:
تعليقات حول الموضوع
2- النموذج الفلبيني
أبو بســــمة | 4/10/2009 9:41:38 AM
مما سبق يتضح أن أمريكا يهمها وجود أنظمة موالية لها في المنطقة ولو على دماء الشعوب...ولكن ليس معنى ذلك الإستسلام لجبروت حكام ظلمة...فعلينا إيجاد الوسائل التي تجبر هؤلاء الحكام على الانصياع لمطالب جماهيرها بالطرق المشروعة...كحق الإضراب وحق العصيان المدني...ولابد من دراسة أسباب ضعف نجاح الإضراب السابق ( ولا أقول فشل )والعمل على استبعاد عوامل الضعف والتركيز على المطالب الشرعية لجميع فئات الشعب وأهمها حقه في حياة كريمة شريفة وأن يعامل كبشر له كل الحقوق المكفولة له بالدين والشرع وعليه الحقوق المعروفة أيضاً...علينا العمل على تثقيف شعوبنا سياسياً ...
النموذج الفلبيني
أبو بســـــمة | 4/10/2009 9:33:45 AM
معذرة أستاذنا...فشتان بين الدول العربية والفلبين...خاصة مصر..عندما تخرج أمريكا من الفلبين فالبدائل كثيرة...والفلبين بعد تنصيرها لم تعد تمثل خطراً على أمريكا أو الغرب...والفلبين تدور في فلك أمريكا أيضاً...كل الذي حدث أن ورقة رئاسية احترقت ولابد من تغييرها ولمصلحة أمريكا...أما عندنا فلن تسمح أمريكا والغرب بنظم ديمقراطية يختارها الشعب...ولنا في تجربة الجزائر الدليل القطعي...لأن الشعوب الإسلامية مجبولة على حب دينها وستختار قادتها من الإسلاميين ...وهذا ما يؤرق الغرب وأمريكا بالذات ...فمعنى ذلك ضياع إسرائيل...وضياع الجهد الصليبي الذي قسم المسلمين والعرب إلى أشلاء ودويلات ضعيفة...والعرب يملكون البترول والثروات الطبيعية التي ليست عند غيرهم
أوجزت وأحسنت نريد المزيد
دكتور نبيل العربي | 4/10/2009 12:15:45 AM
مدخل استخلاص الدروس من نماذج معاصرة هو الأكثر فاعلية وهو خطاب لكل الرافضين لحالة بلادنا المزرية على كافة الأصعدة لكن هل مقتضى كلامك أن السبيل الوحيد العملي للتغيير هو المعارضة السياسية المنظمة مع تجنب التصادم مع أمريكا في البداية على الأقل ؟ وما دور التيارات والجماعات التي تأبى الانضواء تحت مظلة النظام السياسي القائم لفساده أو لمجرد التناقض المبدئي؟ وهل يجوز منافسة النظام القائم على استرضاء السيد الأمريكي؟ ملحوظة: التيار الإسلامي الملتزم لا يعتبر اعتدالا من المنظور الغربي
دروس رائعة وليتهم يعلمون
الفلبيني | 4/9/2009 10:41:37 AM
ليت العاملين في الحقل السياسي في بلادنا يعوا هذه الحقيقة حتى يساعدوا الناس على الخروج من هذا المستنقع واللحاق بركب غيرنا من الأمم.
 
وفاة المفكر المصري الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري