تاريخ العدد :  
رئيس التحرير : محمود سلطان
   
    انسحاب زعيم حركة طالبان الباكستانية من مباحثات السلام مع الحكومة بعد أن رفضت سحب الجيش من المناطق القبلية على الحدود الأفغانية         المقاومة الصومالية تهاجم القوات الإثيوبية بمقديشو وبيدوا وحركة الشباب المجاهدين تستعيد بلدة جديدة جنوب غرب الصومال        الجيش الإسلامي في العراق يؤكد أنه تمكّن من إسقاط طائرة للاحتلال الأمريكي بدون طيار جنوب العاصمة بغداد        مقتل وإصابة 5 جنود أستراليين في هجوم لطالبان بولاية أروزغان جنوبي أفغانستان        استشهاد سبعة فلسطينيين بينهم أربعة أطفال أشقاء من عائلة واحدة وأمهم وإصابة آخرين في قصف إسرائيلي لمنزلهم شمال بيت حانون     
اضغط هنا لطباعة الصفحة للطباعة ملف نت للحفظ مختارات
فلنبدأ من تحطيم خطاب التفريق ـ د.عبد الفتاح ماضي
نجد الكثيرين في بلادنا يتعجبون من فشل كل محاولات الإصلاح والنهضة ومن عبثية مقارنة أوضاعنا بأوضاع دول أخرى تتشابه ظروفها مع ظروف مجتمعاتنا لكنها انتقلت إلى الديمقراطية أو هي في طريقها إليها .. أرى أنه بجانب مسؤولية الحكومات عن ذلك الفشل، بسياساتها وتكتيكاتها المتنوعة في القمع والإفساد، فإن هناك مسؤولية أخرى تقع على جانب المثقفين والنشطاء السياسيين الداعين إلى الإصلاح في صفوف الحكومة والمعارضة على حد سواء. فخطابات وتصرفات الكثير منهم تساعد أعداء الإصلاح والمستفيدين من استمرار الأوضاع القائمة بإصرارها على البحث عن كل ما يفرق وتضييعها لفرص التكتل والعمل المشترك.
فعندما ينشغل بعض المثقفين والنشطاء السياسيين، في مصر، بقضايا فرعية ويبذلون جهدهم ووقتهم وأقلامهم في معارك جانبية بدلاً من البحث عن القواسم المشتركة بينهم والتكتل لأجل تأسيس نظام ديمقراطي حقيقي يحترم الجميع ويحمي الحقوق والحريات الأساسية لهم ولا يتعارض مع قيم المجتمع وعاداته وتقاليده، فهم أولاً يبتعدون بمجتمعهم ودولتهم عن الطريق المؤدي إلي التغيير، طريق التجاوز عن المصالح الضيقة والتركيز على الهدف الأعلى المشترك، الطريق المُجرب تاريخياً في كل أرجاء الكرة الأرضية. وهم ثانياً يفوتون على أمتهم فرصة مواكبة أمم أخرى كانت وراءهم بمراحل كثيرة ولكنها سلكت طريق التغيير والديمقراطية بدءاً من بنين ومالي وجنوب أفريقيا في أفريقيا، مرورا بدول أمريكا الوسطى واللاتينية، وانتهاءً بدول صغيرة تحاول مؤخراً الخلاص مثل جورجيا وبورما ونيبال. هذا ناهيك عن تفويت الفرصة لمواكبة ومنافسة الدول الحديثة في غرب أوروبا وشمال أمريكا. وهؤلاء، ثالثاً، يعملون، بلا قصد، على مساعدة قوى خارجية متربصة ترى في تفتتنا وتشرذمنا خير ضمان لاستمرار تحكمها في مصائرنا ومقدراتنا. وهم أيضاً يفوتون، أخيرا وليس آخرا، الفرصة على أنفسهم للدخول إلى التاريخ كرواد مؤسسين لإصلاح بلادهم ونهضتها.. فبالطبع لن يحتل أي من هؤلاء المكانة التي حجزها التاريخ لشخصيات مثل أحمد عرابي وسعد زغلول ومصطفى كامل ومكرم عبيد وطلعت حرب وغيرهم..
في هذ المقالة أقف عند أولى خطوات الخروج من هذا النفق والبحث عن قواسم مشتركة وهي خطوة "تحطيم خطاب التفريق"، وتنقية الخطاب السياسي لكل فئة في المجتمع من لغة السخرية من (والهجوم على) كل من لا ينتمي إلى هذه الفئة ومن عبارات التهكم والإتهام والبحث في النوايا. إن الهدف المشترك يجب أن يبرر التوقف عن سيل المقالات والتصريحات التي تحاسب الآخر عن ماضيه وتتهمه في أمور قد يكون بعضها صحيحا وبعضها الآخر غير صحيح، بل ويجب التوقف حتى عن اقحام بعض العبارات التي تحمل هذه المعاني السلبية في تلك المقالات والتصريحات...
أجزم أنه ليس صعباً أمام بعض أنصار التيارين اليساري والناصري التوقف عن نعت الأخوان بالانتهازية والاستفادة من سياسات السادات ومن قربهم في الماضي من العربية السعودية. وبالمقابل ماذا يضير الكثير من الأخوان لو توقفوا عن السخرية من اليساريين ونعتهم بأنهم من بقايا ماضٍ تخلي أصحابه من ماركسيي الإتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية السابقة عن مبادئه ونظمه، وماذا يضيرهم لو توقفوا عن الشك في الليبراليين ونعتهم بالتبعية للغرب والرأسمالية العالمية. ولماذا لا يتحلى الكثير من الليبراليين بالليبرالية عند تعاملهم مع القوى الأخرى ويكفون عن تصور أن الجميع لابد أن يكونوا ليبراليين حتى يمكن التحدث معهم. ثم لماذا تنظر الحكومة إلى علاقتها بالمعارضة وكأنها مباراة صفرية (نحن أو هم) بدلا من التنافس الحر الذي سيكفل للكل التداول على السلطة.. إن من المفترض أن هؤلاء جميعا لا يعملون في أقسام التاريخ أو العلوم السياسية في الجامعات فيستهوي بعضهم العودة إلى التاريخ وتفسيره أو يأخذ البعض الآخر على عاتقه مهمة التدقيق في تحليل الأحداث وتقديم رؤى مختلفة لكل حدث مرت به البلاد.. أنتم تعملون بالسياسة، والسياسة لا مكان فيها للتحجر أو للعقلية الثنائية (النظر للأمور باللونين الأبيض والأسود) ولا للتمسك برؤى قد تضر أكثر مما تنفع، إنه عالم فن الممكن ومرونة المواقف وأولوية الوصول إلى الهدف والتدبر في عواقب الكلام والأفعال والروية في النظر والتفكير والحكمة في التصرف والسلوك. إن اختلاف المرجعيات والإيديولوجيات لا يجب أن يكون مبررا للتمحور حول الذات والشك في الآخر، وإنما يجب أن يشكل أساسا لوضع برامج تعمل للصالح العام ورفاهية الشعوب والتنافس الحر السلمي من خلال صناديق الانتخابات الديمقراطية..
كما أجزم أنه ليس من الصعوبة مطلقاً أن يتوقف الجميع عن التكهن بسلوك كل طرف آخر والبحث في نياته وسلوكياته في المستقبل. فلماذا يصر اليساريون والقوميون والليبراليون على أن الأخوان يريدون دولة دينية في ثوب مدني، ولماذا يرى اليساريون أن الليبراليين سيمتصون دماء الشعب إذا أحكموا سيطرتهم على الحكم بسياسات رأسمالية لا تراعي الفئات الضعيفة، ولماذا لا يتوقف الأخوان عن تصور أن كل من لا ينتمي لهم لن يختلف، في المستقبل، عن الحكومة القائمة، فالكل يستهدف، كما يرى الكثير منهم، الإسلام والأخوان.. حقيقة الأمر أن المستقبل لا ولن يصنعه طرف واحد، والدعوة إلى التكتل والبحث عن القواسم المشتركة تعني أن الكل، بما في ذلك أيضاً شركاء الوطن من الأخوة المسيحيين، يجب أن يشترك في وضع نظام ودستور ديمقراطيين يحددان إجراءات ومؤسسات وآليات وقيم تمنع تخوفات كل هذه الأطراف من الأساس، ويحددان الضمانات التي تقف بالمرصاد لأي انحراف أو محاولة للانقلاب، والضوابط الكفيلة بمعالجة الاختلالات وأوجه القصور..
تجاوز الماضي القريب في خطابنا السياسي صار ضروريا أمام أصحاب الضمائر الحية والأهداف النبيلة الذين عليهم الاجتهاد في البحث عن قواسم مشتركة للمستقبل.. وهذا ليس أمراً مثالياً غير ممكن الحدوث، إذ حققته أمم وشعوب أخرى في عالمنا المعاصر، وليس أمراً صعبا، ولا ينبغي أن يكون صعبا عندنا، إذ هو يحتاج فقط إلى تذكر الهدف الأعلى المشترك وعلو الهمة وامتلاك إرادة التغيير.
--------
قسم العلوم السياسية – جامعة الإسكندرية
www.abdelfattahmady.net


اضف تعليقك
الاسم :
عنوان التعليق:
التعليق:
تعليقات حول الموضوع
 
وفاة المفكر المصري الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري