تاريخ العدد :  
رئيس التحرير : محمود سلطان
   
    انسحاب زعيم حركة طالبان الباكستانية من مباحثات السلام مع الحكومة بعد أن رفضت سحب الجيش من المناطق القبلية على الحدود الأفغانية         المقاومة الصومالية تهاجم القوات الإثيوبية بمقديشو وبيدوا وحركة الشباب المجاهدين تستعيد بلدة جديدة جنوب غرب الصومال        الجيش الإسلامي في العراق يؤكد أنه تمكّن من إسقاط طائرة للاحتلال الأمريكي بدون طيار جنوب العاصمة بغداد        مقتل وإصابة 5 جنود أستراليين في هجوم لطالبان بولاية أروزغان جنوبي أفغانستان        استشهاد سبعة فلسطينيين بينهم أربعة أطفال أشقاء من عائلة واحدة وأمهم وإصابة آخرين في قصف إسرائيلي لمنزلهم شمال بيت حانون     
اضغط هنا لطباعة الصفحة للطباعة ملف نت للحفظ مختارات
لا دستور بلا مواطن ديمقراطي ـ د.عبدالفتاح ماضي


أعادت السلطة في مصر مسألة التعديلات الدستورية إلى واجهة الأحداث السياسية بعد شهور معدودة من تعديل المادة 76 في مايو من العام الماضي، الأمر الذي أثار مسألة التوريث السياسي وتمهيد الطريق أمام نجل الرئيس لتولي الرئاسة بعد تنحي الرئيس أو خلو المنصب لأي سبب من جهة، ومسألة ما إذا كانت مصر تحتاج إلى تعديلات دستورية أم إلى دستور جديد من جهة أخرى. المشكلة في مصر - في اعتقادي - أكبر من هاتين المسألتين وتضرب بجذورها في إصلاح ما أفسدته السلطة ذاتها في حق الإنسان المصري طوال عقود عدة مضت.

فالمسألة أكبر من التوريث السياسي لجمال مبارك، فما تريده مصر هو الوقوف ضد التوريث السياسي لصالح أي فرد بعينه وليس ضد نجل الرئيس فقط، وأكبر من تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور الحالي أو حتى صياغة دستور جديد. إن ما تريده مصر هو الولوج إلى الطريق الذي سارت فيه دول صغيرة مثل تايوان وبنين ومالي وكوستاريكا وجرينادا ومنغوليا وغيرها، والمؤدي إلى الخروج من حكم الفرد الذي يتحكم بالقانون ويُسخّر إمكانات الدولة البشرية والمادية في خدمة مصالح فئة صغيرة إلى دولة القانون والمؤسسات التي تقوم على آليات محددة للحكم وصنع القرارات، وتسمح لأي مصري بالترشح للمناصب السياسية، وتُرسي قاعدة التداول السلمي على السلطة، وتضع الآليات التي تضمن بقاء الدولة والدستور الديمقراطيين والحيلولة دون أي انقلاب عليهما. وهذه الأمور إنْ أُرسيت وجاء جمال مبارك عن طريقها وجب على الجميع احترام رأي الناخبين.

ولكي تحقق السلطة هذا وجب عليها التفكير في صلب المشكلة التي تمر بها مصر، والتي هي في اعتقادي بناء "المواطن الديمقراطي". ولا مواطن ديمقراطي بلا دولة حديثة، ولا دولة حديثة بلا نظام حكم ديمقراطي. فالمواطن الديمقراطي هو الإنسان الواعي بحقوقه وواجباته في دولة القانون والمؤسسات، الذي يدرك المسؤولية الاجتماعية للعمل من أجل الصالح العام وليس لأجل مصالحه الذاتية الضيقة، والذي يشارك في العمل العام فينشئ ويعمل في مؤسسات الدولة والأحزاب والمنظمات الطوعية والأهلية، ويختار الحكام وصناع القرار في انتخابات ديمقراطية تنافسية، والذي ينفذ ما يتخذه صناع القرار من سياسات وقرارات. إنه المواطن الذي يمكن الاعتماد عليه في حماية المجتمع والدولة والنظام السياسي. إن ما يريده المصريون – إنْ من خلال تعديل الدستور أو تغييره - هو باختصار ما يلي:
أولاً- تمكين المواطن من العيش في دولة المؤسسات التي يحكمها القانون فعلاً، وتوفر آليات محددة وفعلية لصنع القرار ومحاسبة الحكام والمسؤولين والتداول السلمي على السلطة، وتقوم العلاقة بين المواطن والسلطة على أساس رابطة المواطنة لا التبعية والولاء، وتحافظ على قيم المجتمع ولغته وثقافته. وهذا يعني إقلاع الدولة عن سياسات الترغيب وشراء ذمم الناس أو الترهيب وإخافة الناس، وعن التغاضي عن انحدار القيم والمُثل وإضاعة اللغة والثقافة العربيتين.
ثانياً- تمكين المواطن من الوعي بحقوقه وواجباته من خلال إتاحة حرية انسياب المعلومات والأخبار من مصادر متعددة. ويرتبط هذا بحرية الصحافة ووسائل الإعلام والكف عن كل أساليب السيطرة الإدارية والأمنية المباشرة وغير المباشرة عليها.
ثالثاً– تمكين المواطن من التعبير عن آرائه وتفضيلاته السياسية والحزبية دون قمع لرأي أو تجريم لاتجاه سياسي ما، كما هو الحال اليوم مع التيار الإسلامي.
رابعاًً- تمكين المواطن من المشاركة السياسية بإتاحة الفرصة أمامه للمشاركة في الحياة السياسية إنْ بشكل مباشر عن طريق الترشح والتصويت أو من خلال إعطائه الفرصة لإنشاء أحزاب جديدة أو الانضمام للأحزاب القائمة، وذلك دون أدنى تمييز. أي الكف عن سياسة ملاحقة المعارضين والإصلاحيين والتضييق على الأحزاب والنقابات ونوادي أعضاء هيئات التدريس واتحادات الطلاب، وعن سياسة إقصاء الإسلاميين من العمل السياسي، وتشويه وتجريم أعمال كل من يعارض السلطة وتصرفاتها.
خامساً- تمكين المواطن من الإدلاء بصوته في انتخابات ديمقراطية، تنافسية، دورية، حقيقية تستند إلى دستوري ديمقراطي حقيقي، وتُجرى في ظل قاعدة حكم القانون، وتتسم بالتنافسية الحقيقية بين برامج ومرشحين مختلفين، ويترتب عليها مجموعة من النتائج الفعلية مثل اختيار الحكام وتوفير شرعية سياسية لهم والتداول السلمي على السلطة، وتتسم عملية إدارتها والإشراف عليها وإعلان نتائجها بالحياد السياسي والعدالة والشفافية.
سادساً- تمكين المواطنين المنتخبين من ممارسة السلطة دون وصاية من أيه هيئة غير منتخبة كالمؤسسة العسكرية أو الأمنية أو الدينية.

ويبقى أن نشير إلى أمرين رئيسيين، هما:
الأول: أن الديمقراطية التي نعنيها هنا هي شكل من أشكال الحكم (أي الآليات والإجراءات التي تنظم عملية اتخاذ القرارات ومحاسبة الحكام والتداول على السلطة) والتي يجب أن نفصلها عن الليبرالية كي يمكن تطبيقها في مجتمعات بمرجعيات أخرى غير الليبرالية كالمجتمعات العربية والإسلامية. إن المرجعية الإسلامية بها من القيم والحريات والمبادئ ما يكفي ويزيد لأن تكون المرجعية العليا لتلك الإجراءات والآليات.
الثاني: أن تجارب الأمم والشعوب تشير إلى أن السلطة التي ليس لديها النية ولا الاستعداد للسير قدماً في هذا الطريق (طريق بناء دولة المؤسسات والقانون) وتمارس ما يعرف عند دارسي السياسة بـ"النفاق الدستوري" (أي تتبني أشكالا ديمقراطية بلا مضمون حقيقي وتتلاعب بالقانون وتسخر القانون وإمكانات المجتمع لصالح الفئة الحاكمة) مآلها إلى الانهيار والزوال بطرق مختلفة... وفي التاريخ القريب لأوكرانيا والفلبين ورومانيا وتشيلي وغيرها عبرة لمن يعتبر.
------------
* قسم العلوم السياسية - جامعة الإسكندرية.

ammady@gmail.com

اضف تعليقك
الاسم :
عنوان التعليق:
التعليق:
تعليقات حول الموضوع
النفاق الدستورى الى متى
عادل بسيونى | 12/23/2006 3:05:13 PM
هل زملائك فى تخصصك فى لقائاتكم العلمية لايتفقون على وسيلة لتخليصنا من هذا النفاق,الواقع البائس الذى نعيشه يؤكد ان بعضا منهم على الأقل يمارسون هذا النفاق اى بمعنى اخر محللين للسلطات الؤبده فى الحكم منذ امد بعيد التى جعلت بلادنا فى مؤخره بلاد الدنيا,بأختصار يا اخى تفعيل هذا الكلام الجميل جدا من الناحيه الأكاديمية ولكن فسر لنا يا اخى ظهور بعض زملائك فى نفس التخصص فى المديايقومون بدور المححل للسلطه.اتفق معك لا تفرق معنا من يرث الحكم لأن الحكم لدينا يورث من مئات السنين والمشكلة فى نظام الحكم وطبعا الدين الأسلامى به مقومات الدولة الحديثة بشرط الأخلاص لله وليس للأصنام حيث ان الأعداء ناجحين حتى الأن فى فصل مصر عن الجسد اقصد الأمه الأسلامية ولا لوم عليهم فهم من وجه نظر اوطانهم يعملون لصالحهم, اللوم كل اللوم علينا شعوب وحكام فعلى الحكام سعة الصدر وعلى الشعوب اخلاص النية لله,لأن مصر هى القاطرة ولكى الله يا مصر.
كى يصبح الصنم عجوة
د0 ياسر العدل- تجارة المنصورة | 12/23/2006 6:56:59 AM
الأخ د0 عبد الفتاح ، مقالك يسير على منهج علمى وسعيك مشكور ، انا لست متخصصا فى العلوم السياسية ، ومع ذلك دعنى أسر فى اذنك أن الديمقراطية صنم حضارى فى عالم السياسة المعاصرة يتنادى به كل فريق وهم مختصمون، السؤال الأن كيف لنا كباحثين عن الرشد السياسى لمجتمعناان نرى فى ذلك الصنم العلمى عجوة ناكلها نسد بها جوعا لنتحد مع ارباب التحضر ، ألا ترى معى فى عبارتك "إن المرجعية الإسلامية بها من القيم والحريات والمبادئ ما يكفي ويزيد لأن تكون المرجعية العليا لتلك الإجراءات والآليات" خروجا عن صنم الديمقراطية رائع التدليل والوجاهه الفكرية = = = yassadl@yahoo.com
 
وفاة المفكر المصري الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري